روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

192

عرائس البيان في حقائق القرآن

فقال : فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى أي : فاحكم بحكمي حين عاينتني فيك ، واخرج منك ، ولا تتبع الهوى بأن تنظر إليك ، فيضلك ذلك عن رؤيتي وحكم الاتحاد فينطمس عليك سبيل الصواب في ظهور لطائف حكمتي وحقائق أمور ربوبيتي ، فمن احتجب به مني فهو محجوب به عني ، لا يسلك بعد ذلك طرق الحقائق ، فيقع في أليم عذاب الحجاب ، وهذا معنى قوله سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ . قال ابن عطاء : جعلتك خليفة في الأرض لتحكم في عبادي بحكمي ، ولا تتبع هواك فيهم ورائك ، وتحكم لهم كحكمك لنفسك ، بل تضيق على نفسك وتوسع عليهم . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 28 إلى 33 ] أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 30 ) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ( 31 ) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ( 32 ) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ( 33 ) قوله تعالى : أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ : المتقين الذين وقعوا في رؤية أنوار عظمته وكبريائه التي تبرز من مرائي الأكوان ومقدوراته ، فتنزهوا عن كل ما سواه في رؤية جلاله وإجلاله أي : ليس هؤلاء كالذين بقوا في حجاب النفوس ، لا يخرجون من غشاوات الهوى ، ولا يرون أنوار الهدى . قال ابن عطاء : أم نجعل المقبلين علينا كالمعرضين عنّا . وقوله تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ : ذكر النزول في الكتاب شرط رسوم الأمر ، وفي البرهان ظهور نور الصفة له بحكم التجلي ، وفي الحقيقة لا افتراق في صفاته عن عينية الذات ، هو منزّه عن التغاير ، ألا ترى إلى قوله : مُبارَكٌ أي : منزّه عن التفرق بل هو ثابت في أصل الأصول ، مُبارَكٌ عليك وعلى أمتك الذين يفهمون حقائقه حيث وقعوا في بحار التدبر والتفكر فيه ، هو مرآة الصفة أعطاها عباده ؛ لينظروا فيها بعيون الأهلية له ؛ حتى يبصروا فيها حقائق الأنوار ، ويدركوا منها دقائق الأسرار ، فعمّ التدبر لعموم العلماء والفهماء ، وخصّ التذكر لخصوص العقلاء ؛ لأن التدبر للفهم ، والتذكر لوقوع الإجلال وخشية الخاص في قلوب أكابر أهل العلم الذين يرون بعيون الأرواح عرائس الصفات فيه ، وينكشف لهم فيه غوامض علوم الألوهية .